محمد حسين الذهبي

271

التفسير والمفسرون

والصحف المطهرة ؛ من قبيل رؤية اللّه تعالى ، ولقاء اللّه وظهور اللّه ومجىء اللّه وغيرها مما ليس بخاف على أهل التحقيق . . ثم اعلم أيها الحبيب اللبيب أن أهل البيان كثيرا ما أطلقوا في عباراتهم لفظ ( جل ) على أكابر الرجال استعارة ، سواء كانوا من صناديد الدولة والملك ؛ أو من قروم أهل العلم والفضل كما أطلق أمير المؤمنين عليه السلام على مالك بن الحارث النخعي المعروف بالأشتر ، لما اشتهر ذكر وفاته ، وأخبر بمماته ، ومقامه عليه السلام معلوم لديك في الفصاحة والبراعة ، ورسائله وخطبه مستغنية عن المدح والإطراء بالطلاوة والصناعة ، وعبارته هذه مذكورة في نهج البلاغة . وهذه استعارة في غاية المناسبة واللطافة حيث أن أكابر الرجال هم بمنزلة الأوتاد ، لاستقرار أرض المعارف والديانة ، أو الأمة والدولة ، وكثيرا ما أطلقه داود عليه السلام في مزاميره ، وسائر الأنبياء من بني إسرائيل في كتبهم على الرب تعالى ، كما جاء في مزمور ( 42 ) ( أقول للّه صخرتى لما ذا نسيتنى ) وجاء في مزمور ( 71 ) ( كن لي صخرة وملجأ أدخله دائما . أمرت بخلاصى لأنك صخرتى وحصني ) إلى كثير من أمثالها ، فإذا عرفت هذا ، فاعلم أن موسى عليه السلام إنما طلب رؤيا اللّه تعالى بسبب اقتراح الشعب عليه أن يريهم اللّه ، كما يدلك عليه قوله تعالى « أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً » إلا أن اللّه تعالى أخبره بأن رؤيته موقوفة باستقرار جبال العلم والإيمان في مكانهم من الإذعان واليقين ولكنهم بسبب عدم بلوغهم إلى المقام الثابت الراسخ المكين من العلم والمعرفة واليقين فلا بد وأن تندك جبال وجودهم ؛ ويتزعزع بنيان إذعانهم لمعبودهم حين لقائه فيتبدل إيمانهم بالكفر ، ويقينهم بالشك ، وإقبالهم بالإعراض ، حيث لم تكمل بعد مراتب عرفانهم ، ولم يبلغ إلى الدرجة العليا بنيان إيمانهم ؛ فلم يبلغوا بعد إلى رتبة استحقاق الرؤية واللقاء ولم يصعدوا إلى درجة الاستقرار والبقاء ؛ فلا بد من ظهور الأنبياء ، وقيام الأصفياء ، لتربية أشجار الوجودات البشرية ، وتكمل معارفهم بالإيمان على ممر الدهور وطي العصور . حتى يبلغوا إلى درجة التمكن والاستقرار ، حينئذ يتجلى عليهم رب الأرض